الشيخ الطوسي

8

الغيبة

وإنما قلنا : إنه تمويه لأنه ظن أنا نقول : إن في حال الغيبة دليل وجوب الإمامة قائم ولا إمام فكان نقضا ، ولا نقول ذلك ، بل دليلنا في حال وجود الامام بعينه هو دليل حال غيبته ، في أن في الحالين الامام لطف فلا نقول : إن زمان الغيبة خلا من وجوب ( 1 ) رئيس ، بل عندنا أن الرئيس حاصل ، وإنما ارتفع انبساط يده لما يرجع إلى المكلفين على ما بيناه ، لا لان انبساط يده خرج من كونه لطفا بل وجه اللطف به قائم ، وإنما لم يحصل لما يرجع إلى غير الله . فجرى مجرى أن يقول قائل : كيف يكون معرفة الله تعالى لطفا مع أن الكافر لا يعرف الله ، فلما كان التكليف على الكافر قائما والمعرفة مرتفعة ( 2 ) دل على أن المعرفة ليست لطفا على كل حال لأنها لو كانت كذلك لكان ذلك نقضا . وجوابنا في الإمامة كجوابهم في المعرفة من أن الكافر لطفه قائم بالمعرفة وإنما فوت نفسه بالتفريط في النظر المؤدي إليها فلم يقبح تكليفه ، فكذلك نقول : الرئاسة لطف للمكلف في حال الغيبة ، وما يتعلق بالله من إيجاده حاصل ، وإنما ارتفع تصرفه وانبساط يده لأمر يرجع إلى المكلفين فاستوى الأمران ، والكلام في هذه المعنى مستوفى أيضا بحيث ذكرناه . وأما الكلام في الفصل الثالث : من قوله : إن الفائدة بالإمامة هي كونه مبعدا من القبيح على قولكم ، وذلك لم يحصل مع غيبته ، فلم ينفصل وجوده من عدمه ، فإذا لم يختص وجوده غائبا بوجه الوجوب الذي ذكروه لم يقتض دليلكم وجوب وجوده مع الغيبة ، فدليلكم مع أنه منتقض حيث وجد مع انبساط اليد ، ولم يجب انبساط اليد مع الغيبة ، فهو غير متعلق بوجود إمام غير منبسط اليد ولا هو حاصل في هذه الحال . فإنا نقول : إنه لم يفعل في هذا الفصل أكثر من تعقيد القول على طريقة المنطقيين من قلب المقدمات ورد بعضها على بعض ، ولا شك أنه قصد بذلك التمويه والمغالطة ، وإلا فالامر أوضح من أن يخفى .

--> ( 1 ) في البحار : وجود . ( 2 ) في نسخة " ن " من نفعته .